
رسمها : أحمد ابراهيم الفقيه
تصادف أن قرأت في يوم واحد ثلاث مقالات لثلاثة أقلام صديقة، عن صديق ثالث هو الدكتور شكري غانم ، تعارض هذه المقالات تصريحاته التي تحمل استهتارا بالمكابدات اليومية للمواطن العادي، تقوم بالرد عليه وتشرح ظروف هذا المواطن له.
وبين أصحاب هذه الأقلام شاعرة صديقة هي الأستاذة تهاني دربي وصديقين من الكتاب المخضرمين هما عبد الرحمن الشاطر والسنوسي بسيكري، وقرأت في نفس الوقت مقالا للدكتور على العيساوي، وهو أمين الاقتصاد السابق الذي خلف الدكتور شكري غانم في منصبه لا يرد عليه ولكنه يشرح القيود والسدود التي تمنع المواطن من ممارسة أي عمل حر تحت عنوان من يطلق سراح القطة قائلا بان جهاز الدولة فعل مع المواطن الليبي ما فعلته المرأة التي حبست قطة فلا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض فدخلت بسببها النار كما جاء في الحديث الشريف ذاكرا فيه بالحرف الواحد " إن المواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان لا يستطيع ممارسة نشاطه بشكل قانوني حتى يدخل الجمل في سم الخياط بسب المتطلبات و التشريعات والإجراءات المجحفة والغير منصفه في كثير من الأحيان" في دولة كان يجب أن يكون دخلها يوازي على الأقل دخل دولة الإمارات قائلا إن دخل الإمارات يوازي خمسة إضعاف دخل ليبيا وأن هذا الدخل دونه عوائق تمنعه من الوصول إلى المواطن خلاف دولة الإمارات.
ورأيت في مقال هذا الأمين الذي كان أمينا على مهمته انه يحمل أمناء قبله مثل شكري غانم الإثم ، وهو الرجل الذي وصل بعد هذا المنصب إلى منصب رئيس الأمناء جميعا أي رئيس الوزراء وبدل إن ينشغل برفع المعاناة عن المواطن وإنصافه وتحسين ظروفه المعيشية والبحث عن وسائل لتصحيح الخطى المزمن في هذا الاقتصاد ويبحث عن الفاقد في الدخل القومي ويسعى لإيجاده لكي يوازي دخل دولة مثل الإمارات فقد انشغل كما تقول هذه المقالات بالعكس من ذلك وهو وضع مزيد من المعاناة على ظهر المواطن وتحميله بما لا يستطيع احتماله كما جاء في الردود التي هاجمت المنطق الذي تكلم به والسياسات التي ابتدعها واتبعها وهو أمين عام اللجنة الشعبية العامة في ليبيا كما يسمونه.
ولأنني اعرف الدكتور شكري غانم وتصادف إن ربطتني بها علاقة صداقة وزمالة في مقتبل العمر فقد رأيت إن أقدم صورة قلمية عن هذا الصديق الذي اختلفت حوله الآراء وتقلب في عدد من المواقع والمناصب ووصل إلى أعلى منصب في السلطة التنفيذية ووجب إن يكون سجله مطروحا بايجابياته وسلبياته إمام الرأي العام، وأقول إنني عرفته ربما في منتصف ستينيات القرن الماضي ، وكلانا في مطلع الشباب ، وتواصلت معرفتي به بعد ذلك ، بين الحضور والغياب ، ومساحات البعد والاقتراب مكانيا وما تتيحه من لقاءات متقاربة حينا متباعدة أحيانا أخرى ، فعرفته فتى خارق الذكاء ، واسع الاطلاع ، عميقا في تفكيره وثقافته ، بارعا براعة مدهشة في تخصصه الاقتصادي ، مع حس عظيم بالدعابة، وملاحة ولطافة في ابتكار والتقاط الطرفة أو النكتة ، وقوة الذاكرة وحسن التعبير في اللغة العربية مقرونة ببلاغة وفصاحة في التعبير باللغة الانجليزية.
كما عرفته أيضا ينحاز وهو يتقلد وظائفه ويمارس تخصصه الاقتصادي ويقوم بمشاركاته الفكرية منحازا انحيازا كاملا للمواطن البسيط وقضاياه المعيشية وما يزيد عنها ويعلو فوقها من قضايا وطنية ، منافحا ومدافعا في الجلسات الخاصة والعامة ، عن حق هذا المواطن في حياة كريمة ، بالغ الصراحة في التعبير عن حقوق هذا المواطن الليبي في مواجهة سياسات كان يراها بمعارفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تلبي حاجة المواطن ولا تخدم أهدافه في تطوير حياته المعيشية حتى لو كان مبعث هذه السياسات نوايا طيبة لان الطريق إلى الجنة مفروش بالنوايا الطيبة.
ودارت الأيام دورتها ، التي تفعل بالناس فعلها ، تضيف إليهم معرفة وحكمة مع النضج والتجربة والتقدم في العمر ، وأحيانا تأخذ منهم شيئا من توهج عواطفهم وحماس شبابهم ، بقدر ما تضيف بياضا إلى شعر رؤوسهم أو ازدياد مساحة الصلع في هذه الرؤوس ، وكانت هذه الأيام كريمة مع الصديق شكري غانم ، فقد أعطته فعلا مزيدا من العلم والمعرفة والخبرة ربما أكثر من غيره ، فقد عرفته كما قلت شابا حديث التخرج من كلية الاقتصاد من الجامعة الليبية المتواجدة في بنغازي.
وعاد إلى المدينة التي ينتمي إليها وولد وترعرع بين أحضانها طرابلس واحضره إلى مجلسنا صديق ثالث هو الزميل الكاتب يوسف الشريف ، ليشاركنا في تأجير كابينة في نادي الصيد والرماية ، وهو مصيف صغير يواجه مقر الإذاعة بشارع الشط ، كان اغلب رواده من أهل الفن والثقافة ، لقضاء ثلاثة أشهر الصيف حيث كنا نلتقي كل يوم واذكر انه كان يجاورنا عدد من فناني المسرح مثل الأستاذ محمد شرف الدين والأستاذ الطاهر القبائلي والدكتور عبد الحميد المجراب ، وكنت أحظى في هذه الكابينة بزيارة صديقي الكاتب الكبير الأستاذ يوسف هامان ، وكان ، ربما بسبب تربيته ودراسته سنوات طويلة في مصر يملك حسا عاليا بالدعابة ، فكان إن وجد في شكري غانم إنسانا يشاركه هذه الموهبة العظيمة ، وعبر لي عن سعادته بان يلتقي بمثل هذا الشاب الذي يملك هذا الحس بالسليقة والفطرة وهو الذي لم يغادر بلاده في ذلك الوقت.
واعتقد إن هذا حدث إبان وجوده موظفا معنا في الإعلام تابعا لوكالة الإنباء الليبية نائبا لرئيس التحرير بها ، إلا انه لم يكمل عامين في هذا العمل ليعود إلى مجال تخصصه في وزارة الاقتصاد، وعرف في تلك الوزارة من يدرك قيمة إمكانياته ويستفيد بمواهبه فبقى بها حتى مطلع السبعينيات حيث أتاحت له السياسة التعليمية الجديدة التي تستهدف التوسع في البعثات الدراسية ، والتي جاءت بها حكومة الثورة في بداية عهدها ، فرصة إن يحقق حلمه بإكمال دراسته العليا في أمريكا.
وجاء بعد أن أنجز الماجستير والدكتوراه إلى منصب كبير في وزارة النفط التي كان وزيرها الأستاذ المرحوم عزالدين المبروك ، ليتبوأ مركز الرجل الثاني بها وهو وكيل الوزارة ، وكان عند عودته من الدراسة ، مزهوا بدرجته العلمية ، وبالرسالة التي كانت موضع تقدير وإشادة من الدوائر الأكاديمية بعنوان تسعير النفط.
كما كان متشددا في المحافظة على التقاليد الصارمة للوظيفة التي تحظ على الاستقامة وتطلب الضبط والربط ، فكان في الحق يستقطب الإعجاب ويحظى بالتنويه من كل من عرفوه من أصدقائنا ، فرحين لان النفط باعتباره عصب الحياة الاقتصادية لليبيين وجد من يدافع عنه ويصونه من عبث العابثين ، ولكننا للأسف الشديد لا نعيش في عالم خلا من العابثين والفاسدين من أصحاب المراكز العليا.
ولأننا دولة تنتمي إلى العالم الثالث بكل مشاكله المزمنة ونظام ما زالت تخالط طبيعيته الشعبية الثورية كثير من أفات التفكير العشائري، فقد بقى شكري غانم ، بصدقه وأمانته مثل القابض على النار ، إلى أن أعياه الدفاع عن حياض الاختصاصات التي يمنحها له منصبه ، كما أعياه مقاومة المتطفلين والمتدخلين على اختصاصاته واختصاصات الوزارة التي يقوم فيها بمهمات الرجل الثاني ، فكان لابد إن يحدث الصدام المحتوم بين مثالياته وبين مراكز القوة التي تفوقه عدة وعددا فلم يستطع الاستمرار في منصب الوكيل غير عام ونيف ، أرغم بعدها على ترك منصبه، ولعله ذهب للتدريس في إحدى كليات الجامعة.
ولكن لاحقته سمعته في وزارة النفط التي تتصدى لبعض أصحاب النفوذ ، بحجة أو ذريعة انه يناوئ التدخل الثوري ، فلم يجد تجاوبا من العناصر الطلابية الثورية التي كانت في ذلك الوقت الذي غادر فيه منصبه بوزارة النفط إلى الجامعة بين عامي 77 و78 في أوج حراكها الطلابي وتم نقله إلى واحد من تلك المستودعات التي ينقل إليها الأساتذة وإبعادهم من الوسط الطلابي مثل معهد الإنماء والهيئة القومية للبحث العلمي حيث يمثل العمل في مثل هذه المستودعات نوعا من البطالة المقنعة ، ولا وجود لأي إنتاج حقيقي رغم العناوين الكبيرة، لاشي غير أن يأتي الموظف للتوقيع في ساعات الحضور والانصراف.
وأقصي ما يستطيع إن يعمله أساتذة مثله انتهى بهم المصير إلى مثل هذه المعاهد هو الاعتكاف على كتابة ورقة بحثية يشغل بها وقته ولعل الدكتور شكري غانم لم يكن استثناء لغيره من الأساتذة الذين وجدوا وقتا رغم الإحباط والتبرم لكتابة مثل هذه الأوراق.
ولم يتوقف الدكتور شكري غانم أثناء ذلك عن البحث عن فرصة عمل تنجيه من هذه المستودعات وأظن انه افلح في العام الدراسي 82 -83 في الالتحاق بوظيفة أستاذ زائر بمدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن ولكنه لم يحصل على تمديد أكثر من عام واحد عاد بعده إلى الهيئة القومية للبحث العلمي لكن هناك تطورا حدث في هذه الهيئة عندما ألحقت في عام 86 بأمانة التعليم التي كان أمينها الأخ احمد إبراهيم منصور وهو الزعيم الطلابي السابق وأمين اتحاد طلبة ليبيا، ذلك الاتحاد الذي يحمله الدكتور شكري غانم مشكلة فرزه خارج الأساتذة الصالحين لتعليم الطلاب في الجامعة. فرأى انه لم يعد له مكان لمواصلة العمل داخل هذه الهيئة فتركها يبحث عن فرص عمل أخرى.
ولعله ذهب إلى مالطا التي لم يستطع إن يبقى بها أكثر من عام مشتغلا على ما اعتقد بسلك التدريس وأظنه انضم في بعض هذه السنوات إلى العمل بجامعة الجبل الغربي بغريان فبقى بها حتى أرهقه الانتقال اليومي إليها من طرابلس فارتضى بوظيفة مدرس في معهد الإدارة الذي لا اعتقد انه يرقى إلى مستوى المؤسسة الجامعية.
وكان خلال ذلك الوقت وقبله يسعى للحصول على ترشيح في وظيفة دولية مع مؤسسة مثل الأوبك تؤهله للعمل بها شهادته العالية وإتقانه للغة الانجليزية ، ولكن رسائل الترشيح من الدولة لا يمكن إصدارها لمن كان محسوبا على مجموعة المتمردين والمنحرفين عن النهج الثوري الصحيح من أمثال شكري غانم حسب رؤية وتقييم العناصر الثورية.
ولاحت الفرصة لهذا الترشيح سانحة عندما وصل إلى أمانة النفط رجل من أهل العلم والثقافة ومن أبناء مدينة طرابلس الذين يعرفون شكري غانم ويعرفون مؤهلاته وأصالته وعمق انتمائه للخط الثوري الصحيح وقوة ولاءه الوطني هو الأستاذ الكاتب الأديب كامل المقهور ، ولكن الأستاذ كامل المقهور ليس فوق الأجهزة التي تملك وضع الفيتو على هذا الاسم أو ذاك فلم يجد لديه السيد شكري غانم فرصة تلبية طلبه ولم يستطع إن يقوم بترشيحه أو يسعى حتى من وراء العمل الرسمي وهو يتولى رئاسة مؤسسة مجلس الأوبك إن ينجح في تنسيب الدكتور شكري غانم لواحد من مناصب تلك المنظمة. وهو موقف أورث الأستاذ كامل المقهور حنق وغضب الدكتور شكري غانم ولا اعتقد انه صالحه أو سامحه إلى إن انتقل السيد كامل إلى الدار الآخرة.
المهم إن تردد المرحوم كامل المقهور وفشله في تامين وظيفة في منظمة الأوبك الدولية لشكري غانم لم تفت في عضده أو تمنعه من مواصلة السعي و المحاولة حيث استأنف جهوده بعد إن ترك المقهور وزارة النفط إلى إن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ