| الى الشاعرة الصديقة …ظبية خميس | |
| رائحة المردقوش مع الشاى تلف المكان، وجدتي تدندن أغنيتها المفضلة بصوت عال حتى توقظنا من الاستسلام اللذيد لدفء الأسرة. أبي لا يمنعه المطر من الخروج لجلب الخبز الساخن. يخلع حذائه الشتوى أمام باب المطبخ. تستقبله أمي وتأخذ عنه معطفه، وتسأله هل هناك قوس قزح في السماء؟ فيجيبها متسائلا لماذا؟ تضحك وتقول: هذا ما سيجعلنا نستيقظ من دفئنا. ونخرج مسرعين للجنان "الحديقة" حتي نراه لأننا كنا نصدق رواية جدتي القائلة "أن من يرى قوس قزح ويتمنى أمنية تتحقق". الشهر الثاني من كل سنة يتعاون جميع أفراد العائلة في تقليم أغصان عرائش البيت الكثيرة جدا، التى كنا ننتظر بشغف نمو أوراقها في نهاية الشهر الرابع حتي نقطفها بعناية لجدتي التي كانت تشتهر بإعداد طبق البراك الدرناوي اللذيذ. في بداية الربيع أيضا كنا نقطف الزهر من أشجار الليمون الشفشى الذي كان تقديم القليل منه للجارات يكفل لنا أجمل الهدايا التي نحبها منهن. السهر في الجنان والنوم تحت سمائها صيفا، مسابقات الرسم بالنجوم التي كنت وأخوتي نحبها، اللعب بالمياة أثناء سقينا للجنان. الجري وراء الفراشات، مراقبتنا للضفادع، تسابقنا نحو شجرة التين كل صباح لتناول ما أنضجته هذه الشجرة قبل الآخرين، طردنا للعصافيرمن العرائش، وتفننا في صنع أقبح خيال الماتة لفزاعها، عجز أمي في تعليم يداى صنع التريكو الصوف والتطريز التي كانت تداوم على حياكته كل مساء تقريبا تحت شجرتها المفضلة، وانبهاري بجمالها الذي لم أتمكن من محاكاته يوما وفخري بكنزتي الصوفية أمام صديقاتي التي استعارت أمي ألوانها من لون غيوم سماء بنغازى في الخريف، هديتها لي في عيد ميلادي. صور لا تنتهي. أخرى في الذاكرة لهذا الفضاء الكبير الذي كان يحيط بنا. تداعت كلها وأنا أتأمل أولادي وأولاد أخواتي في شقة والدي الذى ترك بيتنا الكبير بعد أن خلا منا وعجزت أمي التي تقدمت في السن من القيام بمتطلباته. كان جزء منهم ينحشر أمام التلفاز والجزء الآخر أمام الكومبيوتر أفقهم هذه الشاشات الجامدة رغم امتلائها، أنهم يفتقدون التعاطي مع الطبيعة من حولهم. تأملها، مراقبتها، تذوق نكهتها، الإستمتاع بعطاياها الكثيرة، وبالتي في قمة محاكاتها، تمنحهم مستوى راقي من الحس الجمالي، يربطهم بعمق مع تراب وسماء وغيم وشجر هذا الوطن. يعيشون بين جدران أربع، والمكيف يسرق من الفصول تنوعها، نوافذهم شاشات أكلت وقتهم لا يعرفون المواسم ولا أسماء النجوم ولا أنواع الشجر ولا هدوء الطبيعة والنصات لها. ولا الروائح المختلفة للنباتات. ضجيج الألعاب الإلكترونية مع ضجيج التلفاز اختصرت حواسهم الخمس الى إثنين فقط. الدراسات تقول سيقل في الأجيال القادمة عدد الفنانين والمبدعين والشعراء لأن الأفق أمامها محدود. تزداد في أن |
































