الذى كان “1″…تهانى دربى

كتبهاتهاني دربي ، في 13 سبتمبر 2009 الساعة: 13:18 م

الى الشاعرة الصديقة …ظبية خميس
رائحة المردقوش مع الشاى تلف المكان، وجدتي تدندن أغنيتها المفضلة بصوت عال حتى توقظنا من الاستسلام اللذيد لدفء الأسرة.

أبي لا يمنعه المطر من الخروج لجلب الخبز الساخن. يخلع حذائه الشتوى أمام باب المطبخ. تستقبله أمي وتأخذ عنه معطفه، وتسأله هل هناك قوس قزح في السماء؟ فيجيبها متسائلا لماذا؟ تضحك وتقول: هذا ما سيجعلنا نستيقظ من دفئنا. ونخرج مسرعين للجنان "الحديقة" حتي نراه لأننا كنا نصدق رواية جدتي القائلة "أن من يرى قوس قزح ويتمنى أمنية تتحقق".

الشهر الثاني من كل سنة يتعاون جميع أفراد العائلة في تقليم أغصان عرائش البيت الكثيرة جدا، التى كنا ننتظر بشغف نمو أوراقها في نهاية الشهر الرابع حتي نقطفها بعناية لجدتي التي كانت تشتهر بإعداد طبق البراك الدرناوي اللذيذ.

في بداية الربيع أيضا كنا نقطف الزهر من أشجار الليمون الشفشى الذي كان تقديم القليل منه للجارات يكفل لنا أجمل الهدايا التي نحبها منهن.

السهر في الجنان والنوم تحت سمائها صيفا، مسابقات الرسم بالنجوم التي كنت وأخوتي نحبها، اللعب بالمياة أثناء سقينا للجنان. الجري وراء الفراشات، مراقبتنا للضفادع، تسابقنا نحو شجرة التين كل صباح لتناول ما أنضجته هذه الشجرة قبل الآخرين، طردنا للعصافيرمن العرائش، وتفننا في صنع أقبح خيال الماتة لفزاعها، عجز أمي في تعليم يداى صنع التريكو الصوف والتطريز التي كانت تداوم على حياكته كل مساء تقريبا تحت شجرتها المفضلة، وانبهاري بجمالها الذي لم أتمكن من محاكاته يوما وفخري بكنزتي الصوفية أمام صديقاتي التي استعارت أمي ألوانها من لون غيوم سماء بنغازى في الخريف، هديتها لي في عيد ميلادي.

صور لا تنتهي. أخرى في الذاكرة لهذا الفضاء الكبير الذي كان يحيط بنا. تداعت كلها وأنا أتأمل أولادي وأولاد أخواتي في شقة والدي الذى ترك بيتنا الكبير بعد أن خلا منا وعجزت أمي التي تقدمت في السن من القيام بمتطلباته.

كان جزء منهم ينحشر أمام التلفاز والجزء الآخر أمام الكومبيوتر أفقهم هذه الشاشات الجامدة رغم امتلائها، أنهم يفتقدون التعاطي مع الطبيعة من حولهم. تأملها، مراقبتها، تذوق نكهتها، الإستمتاع بعطاياها الكثيرة، وبالتي في قمة محاكاتها، تمنحهم مستوى راقي من الحس الجمالي، يربطهم بعمق مع تراب وسماء وغيم وشجر هذا الوطن.

يعيشون بين جدران أربع، والمكيف يسرق من الفصول تنوعها، نوافذهم شاشات أكلت وقتهم لا يعرفون المواسم ولا أسماء النجوم ولا أنواع الشجر ولا هدوء الطبيعة والنصات لها. ولا الروائح المختلفة للنباتات. ضجيج الألعاب الإلكترونية مع ضجيج التلفاز اختصرت حواسهم الخمس الى إثنين فقط.

الدراسات تقول سيقل في الأجيال القادمة عدد الفنانين والمبدعين والشعراء لأن الأفق أمامها محدود. تزداد في أنحاء العالم المباني الإسمنتية ويضيق الأفق من جهة ومن جهة أخرى جري الأهالي وراء لقمة العيش تزيد ساعاته بإستمرار وما يتبقى من وقتهم يستسهلون فيه تسليم أبنائهم للجدران ولهاتين الشاشتين. حتي في الإجازات يفضلون النوم على أي رحلات في الفضاء، أو الإلتقاء بالأهل أو الأصدقاء كل ذلك يعزز مع الوقت فقدان الأجيال القادمة لمتعة تذوق الحياة الحقيقة، بدل أن يتفاعلوا معها يكتفون بمشاهدتها على الشاشات حتى الخيال يقدم لهم جاهزا فيها.

بقدرما تعطيهم هذه الشاشات من معلومات بقدر ما تعطل حواسهم. إنهم يستقبلون فقط. فكيف يمكن لهم أن يعيدوا انتاج ذواتهم وينضجون بشكل متوازن دون أن يختبروا تعاطي حواسهم كاملة مع الطبيعة، مع الحياة. إنهم بالكاد يعرفون ملامستها .. رائحتها . مذاقها.

بعد فترة من كتابة ما سبق قراءته أعلاه اطلعت على كتاب جميل إسمه "تعويذة الحسى" لديفيد أبرام، ترجمة الصديقة العزيزة ظبية خميس. سرنى كثيرا هذا التماهى الذى نعثر عليه احيانا بين ثنايا الكتب مؤكدا لنا ان ما يكتشفه احيانا تأملنا وحده كافيا ليكون البداية الصحيحة لولوج عالم المعرفة وان التأمل والحس يسبق العلم رغم ان الخطوة التالية تؤكد ضرورة ان يكونا معا واى خلل فى طرفى المعادلة بعد تلك الخطوة يجهض اى بناء معرفى حقيقى متكامل ومثرى.

"الكتاب بفصوله السبعة لا يقتصر ذاته على المتخصصين والاكاديميين فقط وانما هو كتاب مفتوح يحتوى خطابه على ما يصل الى اذهان وقلوب القراء لا يناقش مسألة وجود وكينونة البشر فقط بل والطبيعة ايضا التى تدفع الثمن فادحا لتطور الحضارة البشرية التكنولوجية والصناعية والتى بدورها تخضع الانسان فى كل مكان الى دفع الثمن الباهظ من انسانيته وسلامه وصحته الجسدية والعقلية والروحية".

هذا الكتاب الممتع أكد لى ان ما كنت استشعره من مخاوف لتحولاتنا لا يرتكز على حقائق علمية محددة ومعروفة هو ضرر يسير بمقابل ما يحاول أن يقدمه هذا الكتاب الهام من عرض وتحليل لفداحة ما ستؤول اليه أوضاع الإنسانية لو استمرينا فى الذهاب قدما باتجاه التحضر دون الإنتباه لعلاقة أخرى ضرورية تربطنا بشكل روحى مع الطبيعة.

ويظل السؤال كيف يمكن لنا نحن البشر من المحافظة على مستوى معين من التعاطى مع الطبيعة ومتعها التى نحتاجها وايضا التمتع بإنجازات البشرية وتحولها باتجاه التحضر. سؤال فعلا تصعب الإجابة عليه إذا ما وضعنا فى الإعتبار هشاشة ارضيتنا كدول نامية.

 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “الذى كان “1″…تهانى دربى”

  1. الإسم : متابع 2009/08/21

    عندما لاتكون هناك تعادلية او ندية بين اهل الفكر والمعرفة واهل النفود والمال يحدث الخلل فى المجتمعات من خلال التأمل فى الطبيعة أوالكون ان ما هو موجود فى دولنا المتخلفة هو طغيان اصحاب النفود والمال على اهل الفكر والروح وللخروج من هده المآزق لا بد من اعادة الاعتبار للجانب الروحى للحضارة والدى تم اهماله واستبعاده تماما واصبحت الكلمة لاصحاب النفود والمال فقط
    ——————————————————————————–

    الإسم : علي العباني 2009/08/22

    شكرا أ.تهاني على هذا المقال وهذه الشاعرية العالية في اقتناص تفاصيل الذاكرة …يقول الشاعر:(لم تشتكي وتقول انك معدم …والارض ملكك والسما والانجم.)…كل عام وانت بخير
    ——————————————————————————–

  2. جميل..أنصحك أن تصدقي جدتك وتحرصين على رؤية قوس قزح إذا كان هذا يكفي لتحقيق الأماني؟؟!! سلطة المال والنفوذ من أقدم السلطات في التاريخ ولا يمكن الانفلات منها إلى يوم الدين ، السيدة ظبية جديرة بالإهداء ، ولكن هل تعرف هي قيمة المردقوش؟؟رائحة ً وحضوراً وراحة للنفس؟؟ سؤال اعنيه وليس بريئاً على أية حال!!..شكرا لقلبك أنت دائماً توقظين الذاكرة إزعاجاً وفناً معاً !!، نأخذ ما نستمتع به من حروف والباقيات على الله!!

  3. نعم ماتقوله صحيح استاد الغزالى فيما يتعلق بالمال وانه لايمكن الانفلات منه الا ان كسبه بطرق مدلة او مهينة وبدون قناعة داتية وبدون موازنة بين نبضات القلوب وسطعات الارواح فكم هو قبيح ان تكون جيوبنا ممتلئة على حساب قلوبنا انداك يصبح هدا المال وعدم وجوده سواء بسواء لا يمكن ان يكون المال كل شىء ان لم تصاحبه وتلازمه اشياء هى مجردة لا نراها انما غاية فى الاهمية يرفع الانسان بصره ويتجه صوب وجهات لا يعرفها وادا به يعود وشباكه هزيلة الا انه يشعر انه قضى حياته وهو على الاقل راضى عن داته بغض النظر عن النتائج وفى المقابل نجد اخر وشباكه ممتلئة ولكن هناك فرق بين صاحب الشباك الهزيلة والاخر الممتلئة فالاول مطمئن والثانى مدعور لدا النتائج حشيش يابس فى النار ويبقى الاهم ان الاول عاشها حقيقة والثانى عاشها وهما



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول