ألقى د. جمعة عتيقة، محاضرة في فعاليات نقابة المحامين الليبية بعنوان “العنف الرمزي” كما ورد (بموقع أخبار ليبيا نقلا عن “صحيفة أويا).
وهنا لا أريد التطرق لمضمون المحاضرة، ولا لصواب تحليلاتها وشواهدها واستخلاصاتها. بل سنعين الحديث حصرا عن العنوان “العنف الرمزي” الذي نرى أن د. عتيقة جانبه الصواب في استخدامه وتوظيفه، خاصة وأنه وبعد مرور فترة معقولة على منشط ثقافي له أهميته كالمنشط الذي تحدث فيه د. عتيقة “أمسية لنقابة المحامين” دون ورود تعليقات أو نقد ملائم يجعلنا نحسب لهذا التعليق أهمية ما لأسباب:
- أن المحاضر تطرق لعلم الاجتماع خلال حديثه، ومفهوم “العنف الرمزي” أو “Symbolic violence” لا ينتمي بأي شكل لمقصود المحاضر، كما هو مترسخ في علم الاجتماع.
- واستعان المحاضر باتفاقية (مناهضة التعذيب بالرغم من أن هذه الاتفاقية تحديدا وفي نسختها الانجليزية) لا تذكر “العنف الرمزي” إطلاقا، والأمر ينطبق كذلك على باقي اللغات بلا شك.
- ومن الواضح أن ما يقصده المحاضر يمكن أن يوافق “العنف النفسي أو اللفظي أو المعنوي” دون تحديد المفاهيم حصرياّ، لكن المشكلة أن د. عتيقة لم يفصل بين “التعذيب والعنف” والأمران ليسا سيان، لا لغة ولا مفهوما ولا واقعا. مع ضرورة التأكيد أننا هنا لا نناقش المحاضرة في حد ذاتها إلا من جهة صلتها بمفهوم ” العنف الرمزي”.
- ولكن المهم أن استخدام مفهوم العنف الرمزي، دون الإشارة إلى القاعدة الأصلية لهذا المفهوم كجزء من نظرية خصبة جدا، بل تعتبر من أهم اللحظات في الفكر الإنساني الحديث، وكذلك إغفال التعرض للمفكر التي يرتبط هذا المفهوم باسمه، هذا الاستخدام والتغافل سيعد – مع الاعتذار للمحاضر – نوعا من التشويش على هذا المفهوم والفكر الذي ينتمي إليه.
- لا ننكر هنا على المحاضر حقه في إمكانية تغيير دلالة أي مفهوم لصالح طرحه الخاص، وكما يقول القدماء “لا مشاحة في الاصطلاح” لكن تجاهل الجذر التاريخي، والنظري للمفهوم وعدم المرور عليه، هو المشكل هنا.
بيير بورديو والعنف الرمزي
في ظلال ثورة الطلاب الباريسية في الستينات، ساد التفكير في نقد النظم الاجتماعية والتربوية السائدة، خاصة مع سيادة التراث الماركسي ومقولات الصراع الطبقي والتراتبية والتمايز الاجتماعي، كإيديولوجية ضد النظام القائم – اليمين الديغولي - في هذا الإطار نتج عن مجهود طويل للفرنسي بيير بورديو (1930 –2002) وآخرين تطوير ونقد أفكار رائجة مثل البنيوية حيث كانت مقولاته عن البنيوية التركيبية في مقابل “بنيوية ما بعد ليفي شتراوس”.
ومن جهة أخرى لم يعارض بورديو - بصورة مطلقة - التحليل الماركسي عن العامل الاقتصادي في إنتاج التفاوت الطبقي، ولكنه قال بنظرية تتجاوز حصر الصراع الاجتماعي في الصراع الطبقي، بما أن الصراع يكون في حقول وليس بين الطبقات. فالمجتمع لا ينقسم فقط لأغنياء وفقراء وطبقات متراتبة، بل هو مهن أيضا وانتماءات أكثر تنوعا، والصراع بين أفراد المهنة الواحدة – مثلا – يتم وفق علاقات تنافسية فيما بينهم وهذه علاقات داخلية للبنية، وبين علاقة البنية – القطاع الصحفي مثلا – بالخارج. ولعدم إغفال الدور الفردي فثمة حقول: ذرية – جزئية – خاصة (= الميكروكوزوم ).
والحقل (Field) : فضاء للاشعور الثقافي قد يتحدد بالاقتصاد ولكن ليس دائما وفقط. والثقافة هي من يحدد التراتبية ويعيد إنتاجها، إذ المؤسسات التربوية مثل “المدرسة” هي مجرد مؤسسات لـ “إعادة إنتاج” السائد الثقافي، وتكريره لدعم لتوازنات الهيمنة القائمة فعلا. وكانت من نتائج ذلك بلورة مراجعات مهمة حول الإخفاق المدرسي مثلا .. على غير ذلك.
وباختصار قد يبدو مخلا : فإن لكل فرد “هابيتوس” أي مجموع استعدادات كامنة غير واعية تحدد نطاق ونمط إدراكه، وتفكيره وسلوكه .. والهابيتوس كمحدد للمعارف والسلوك ينجم عنه “رأسمال رمزي” باعتبار أن الفرد هو منتج في سياق اجتماع




















