عندما تطلع الشمس من شرفتها
رخية البال
تنسج ضفائرها على نول الشعاع
تتخبط في العتمة ثرثرة الغابرين
ضجرة أكمام الريح
تعلق بهامش الضِيق
كشوكة بمهب مشروخ
……….يتبختر السامق الشاسع … " يراع ينتقر "
بال FONT العريض على متنه الفسيح
يعاقر حبره الصباحي
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

يوليو 1st, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
عندما تطلع الشمس من شرفتها
رخية البال
تنسج ضفائرها على نول الشعاع
تتخبط في العتمة ثرثرة الغابرين
ضجرة أكمام الريح
تعلق بهامش الضِيق
كشوكة بمهب مشروخ
……….يتبختر السامق الشاسع … " يراع ينتقر "
بال FONT العريض على متنه الفسيح
يعاقر حبره الصباحي
يونيو 29th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
| رسالة إلى مهاجرة صوب عدمي – نص : عامر رمزي | ![]() |
![]() |
|
إلى حبيبتي المهاجرة صوب عدمي :
سأحرص دون إضاعة السطور على الديباجة إذ لم يتبق للجمال مساحة بعد أن ساقتكِ رياح الهجرة المنبعثة من فصول الكراهية المتعاقبة إلى مصير الغربة، وأنا هنا أحترق وأتحول إلى رماد في كل سطر أخطـّه عن إضاءات شوقي للقائنا المكتوب في سفرينا منذ الأزل رغم أنهم منعوا عنا فرصة التهيؤ لهذا اللقاء.. حبيبتي … أيتها الحبيبة السريّة - وقد خبأت هويتك تحت قميصي في مكان مقدس لا يجوز خرق حرمته- هل سأنال فرصة الثأر لحظي؟ ينتحب قلبي إذا جن الليل فأغرق في تأملاتي، أدور باحثاً عنكِ بين النـُصب الباقية لرموز بلادي، أشعر بجثمان جسدي قد سيق بمراسيم جنائزية بعد أن عارض بصرامة مغادرة البلاد، يأبى أن يتلقى التعازي رافضاً توشيحه بالأكاليل، تتقدم بي خطى الأعوام متخلفاً عن عصري، لكنني ما زلت حياً، أو هكذا يبدو لي وأنا شاهد على تنفيذ ما تقرفه روحي ويشعرني بالغثيان من تطبيق للعدالة لغايات ذات نوايا مبيتة غير عادلة. أقف أمام نصب الحرية وأحسبه شرفة الحبيبة، أعزف كماني المنفرد هناك وموسيقاه هي الصديق الخفي الذي يؤنس وحدتي. تمتم بمرارة نحّات الجدارية الحالم: قد أبدلوا هيئتي من نصب مهيب إلى ورق مقوى تقطعه المطاوي العمياء. ثم راح يوبخني بنبرة حديدية قائلاً: اصمد معي، شاركني غريزة البقاء … لا تتسربل بالوقت الميت.
أصابتني ذرقة أسقطها على رأسي عصفور أفزعه قِطُّ أزبال أرعن ! ثم شجعني على المثابرة أبو نواس إذ قال لي : لا تتأفف … إنه فألٌ طيب ! ثم أردف بصوت أجش : ها أنا أرتبط مع الأسى بعقد طويل الأمد، ومنذ أن سرقوا كأسي البرونزي الثمين لم يقف أمامي غير أولئك اللواتي يبعن الهوى! يدركني الصباح وأنا لم أزل أسكن فراغ الليل أحلم بأسرار الفردوس ولم تجدِ نفعاً كؤوسٌ أقرّت بخوائها من سحر الثمالة حين فقدت الندماء!. كهرمانة … وقفتُ أمامها ألوِّح بقبضتي، وراح لساني يشرق بالسباب قاذفاً إياها بسيل من الشتائم: حقاً أن للغواني حظوظهن المميزة! ها هم قد وضعوا لكِ تمثالاً دون العراقيات لتنالي شرف الوجود الأبدي في قلب بغداد حتى تناسل رجالكِ الأربعون إلى آلاف وأربعين! السّياب يقف كعادته ساهماً مشيراً للمجهول. سألته هل تذكرني ؟ قال : كنتم تمرون بي كل يوم ترتدون ثياباً بيضاء ورمادية حتى فارقتم (التنومه) بعد أن استوطنها الدرك … ثم أردف قائلاً : أنا مثلك أشعر بجسدي تملأه ثقوب الرصاص رغم أنني لم أصب بعيار ناري واحد. أولستُ القائل مُعارِضاً علي بن الجهم: عيون المها بين الرصافة والجسرِ ثقوبُ رصاصٍ رقَّشتْ صفحة البدرِ !!؟ أرجوك قل لهم أن يعيدوا لي ثيابي. أشعر أنني عريان! وقفتُ أمام عباس بن فرناس أتأمل جناحيه، قال: لا تحلم ولا تغامر، لن تطير إلى السماء إلا إذا تحررتْ روحك كما تحررتُ مما واجهني من خوف قبل هذا. قلت له : فكيف لي أن يهدهد خيالي الطيران وأنا عاجز تماماً عن السَيْر مع عادة الخوف وسلطته التي تستبيح روحي؟ قدماي تجرّان أصفاداً تثنيني عن عزمي وتتحين الفرصة للإنقضاض على ما تبقى من حريتي!. سألتُ عبد المحسن السعدون: هل تعرّفت على خاطفيك يا سيدي؟ قال لا أدري! سلكت خيار الإنتحار بعد أن صرت لا أجرؤ على حماية تاريخي أن يوصم بسوء من شطط قد يجرح شأني. ورغم ذلك لم تسلم معالمي من الأذى! أما شهرزاد بعد أن بتروا ذراعها وسرقوه فقد توقفت عن الرقص أمام شهريار الذي أشاح بوجهه عنها بعد أن شدّ انتباهه راقصون جدد أغلقوا معهد( الباليه ) وافتتح ( بعضهم ) معاهد للرقص على الحبال! سألت عبد المحسن الكاظمي عن مصير عصاه المسروقة. قال : لا تهتم يا ولدي هي ليست حقيقية فهي من البرونز وعصاي من خشب الشجر! ثم نصحني : إجتهدْ لتمنع حدوث المفاجآت فسعيك نحو أداء الواجب هو ا |
يونيو 21st, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
| عالم الأشياء وعالم الأشخاص - زهير الخويلدي | ![]() |
![]() |
|
" التجربة التي أكونها عن أناي يمكن أن تؤثر في التجربة التي يكونها أنا آخر عن أناه". 1- ثمة إنسان:il ya un homme إن الناس المنتشرين في الزحام وحيث الاكتظاظ الذين ينشغلون في اليومي ويفكرون في قوتهم لا يستحقون بالفعل هذا الاسم لأنهم لا يواكبون التغيرات الحاصلة خارج ذواتهم رغم تغييرهم للآلات والوسائل التي يستعملونها والفيلسوف وحده هو الذي يستيقظ ليفكر في الإنسان في حد ذاته بمعزل عن عالم الأشياء وفي قلب عالم الأشخاص. لقد فهم الإنسان منذ القدم على أنه كائن وسائطي فهو ليس ملاكا ولا أحمقا وإنما الاثنين معا، إذ هو حيوان عاقل يوجد في مرتبط وسطى بين الأحمق والملاك، وهو أيضا كون صغيرMicrocosme يعكس في ذاته صورة ونظام وترتيب الكون الكبيرmacrocosme ، بيد أن تلاشت الحدود وبان الوضع المبهم لواقعة الحمق وتحطيم الكوسموس قد أدت جميعها إلى النظر إلى الإنسان على أنه لا يظهر سوى مرة واحدة في خطوط التطور. أما اليوم فقد أصبح الإنسان ذلك المخلوق الغامض الذي لا يمكن أن نعثر له على مكان وهو ما عناه هيجل بقوله أن الإنسان تقمص للنفي عندما يفكر ويتكلم ويفصل الماهيات عن الموجودات والأشياء عن الأشخاص فهو الثقب الذي يدخل منه العدم إلى العالم عند سارتر والكائن الموجود هناك عند هيدجر، لكن هل يعقل أن نقبل هذا النفي الدائم للإنسان لذاته؟ الإنسان يملك قدرة على أن يكون ماهو وعلى أن يكون ما ليس هو إذ هناك دائما مشروع يرسمه لنفسه ويسعى إلى تحقيقه أو لنقل الإنسان هو مشروع جوهري وبالتالي يكون ما يريد أن يكون أي أن وجوده هو كل ما أراده. إن ما ينبغي رفضه هو بالضبط الأمر التالي:أن يكون الإنسان مجرد لاشيء. عندئذ لكي نكون فكرة فلسفية عن الإنسان ينبغي أن ننطلق من الأحداث والأزمات والحروب التي مرت بها الإنسانية، إذ عانى الإنسان ثقل وعيه بالأشياء التي تسبب الشقاء تحمل أكثر مما كان يتصور أي الموت. كل شخص يحمل موته كسلاح وحيد تحت يده يهدد به غيره وفي ذلك تكمن مأساته. إن الإنسان لا يتأمل الموت إلا لينشئه ولأنه كائن الأمل والتفاؤل يكون كائنا شجاعا ومقبلا على المستقبل وبالتالي فإن شجاعة المحارب هي الفضيلة الحقيقية وهي التي تعطي للمدينة حسب الإغريق الأمان وبالتالي كل شكل من أشكال الثقافة الإنسانية يعود في قلب المعاناة إلى تطلع الروح نحو نمط مغاير من الوجود ويصبح الإلهي متحققا بيد الإنسان ألم يقل شكسبير ذات مرة:" ليس الإنسان السند والدعامة والحامل للوجود على عاتقه بل هو المتحدي والمتصدي والمبارز- الحذر…" انه الوحيد الذي يعرف أن القيس لا يقبل القيس وأن الذي يقيم لا يقبل التقويم النهائي. هنا الإنسان خاضع للتطور والتقهقر وللنمو والتراجع والازدهار والانحطاط والدور وتتابع الحلقات. إن الإنسان الجوهري يبقى هو نفسه بكل ما فيه من طيبة وخشونة خاصة وأنه ليس هناك سوى الإنسان في هذا الوجود والوجود نفسه هو كل الإطار الذي يلعب فيه الإنسان ويمرح، ولكن هذا الكائن البشري يطرح دائما وأبدا شيئا ما وراء نفسه وفوقه يتعالى به عن عالم الأشياء ويحصن به نفسه من الوقوع في الشيئية التشييء. إن الوجود ينبثق في اللحظة التي يفكر فيها الإنسان في التجاوز والتعالي وان الإنسان وحده الذي يخلق المطلق لأنه ما انفك يطمح نحو المطلق ولن يكون هناك تاريخ إذا لم يكن الإنسان يعتقد في إمكانية بلوغه للمطلق. الإنسان هو الكائن الذي يتعالى ويتجاوز ويصعد إلى القمم، انه يتعالى على التعالي دون أن يدمره ليكتفي بالمحايثة وهو يعرف أن العقلانية ليست سوى فرع من التأييد وتكرار الولادة والاتحاد مع الاختلاف. مسافة واتحاد هذا هو الإنسان. انه يتخذ بينه وبين الأشياء مسافة ولكنه ما يلبث أن يردمها بسرعة من أجل الانخراط في العالم لكي يتواجد جنبا إلى جنب مع الأشياء ويلح على الوجود. إن الإنسان مبدع يطرح أسئلة على مبدعاته ويمتلك جوهر ولكنه يحطم كل الأمور الجوهرية التي يشكلها ويسائل الوجود والموجودات التي تتشكل فيه كماهيات. إذا كان العالم في وجوده يتعلق بالتفاتة الإنسان إليه ومحاولته معرفته وإدراكه فانه يكون لا محالة موجودا جادا ومنفرجا بدرجة ممتازة. فهل يمكن أن نشير إلى النشاط والفعالية لديه إذا ما كان كائنا منفعلا ومتأثرا بمجموعة من الميولات؟
2- ثمة كلام il ya une parole : المعرفة والكلام هما حدثان تربط بينهما وحدة حميمية وإذا أخذنا الكلام في معناه العام فإننا نستنتج أنه لاأسبقية بينهما بل هما في حالة تواشج أصلي وما يبرر ذلك هو أن كل جسد هو تعبير وكل حركة هي إشارة إلى معنى وكل كلمة لها دلالة وبالتالي فإن اللغة هي الوجود بالمعنى الأولي للكلمة أي خروج نحو العالم وانفتاح نحو الخارج ومثل كل فواصل الوجود تشكل عناصر اللغة وحدة متماسكة، فالكلمة هي قبل كل شيء حدث يدركه الجسد وفي نفس الوقت يسكن الأشياء وان الفكر يسكن الكلام وفي نفس الوقت يطمح نحو اكتماله ويسعى إلى الانثناء على ذاته والتوجه نحو التفكير لكن لا ينبغي أن نتصور الكلام على أنه ثياب الفكر وإنما هو حضور الفكر في العالم. ثمة علاقات جوهرية بين الكلام والعقل فالعقل يتكلم والكلام يعقل إذ كان الفعل الأول الذي سيطر به آدم على الكائنات هو إعطاؤها أسماء أي نفيها كما هي وجعلها مثلا وبذلك تجاوز الموجود التجريبي بواسطة اللغة وجعله مثلا ومبادئ عامة. إن الكائنات الحية نفسها هي مفاهيم متحققة وان مقولات الجنس والنوع والخاصة والعرض عند أرسطو تشير إلى الطبيعة وان ميزة الإنسان عن بقي |
يونيو 9th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
رسمها : أحمد ابراهيم الفقيه
تصادف أن قرأت في يوم واحد ثلاث مقالات لثلاثة أقلام صديقة، عن صديق ثالث هو الدكتور شكري غانم ، تعارض هذه المقالات تصريحاته التي تحمل استهتارا بالمكابدات اليومية للمواطن العادي، تقوم بالرد عليه وتشرح ظروف هذا المواطن له.
وبين أصحاب هذه الأقلام شاعرة صديقة هي الأستاذة تهاني دربي وصديقين من الكتاب المخضرمين هما عبد الرحمن الشاطر والسنوسي بسيكري، وقرأت في نفس الوقت مقالا للدكتور على العيساوي، وهو أمين الاقتصاد السابق الذي خلف الدكتور شكري غانم في منصبه لا يرد عليه ولكنه يشرح القيود والسدود التي تمنع المواطن من ممارسة أي عمل حر تحت عنوان من يطلق سراح القطة قائلا بان جهاز الدولة فعل مع المواطن الليبي ما فعلته المرأة التي حبست قطة فلا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض فدخلت بسببها النار كما جاء في الحديث الشريف ذاكرا فيه بالحرف الواحد " إن المواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان لا يستطيع ممارسة نشاطه بشكل قانوني حتى يدخل الجمل في سم الخياط بسب المتطلبات و التشريعات والإجراءات المجحفة والغير منصفه في كثير من الأحيان" في دولة كان يجب أن يكون دخلها يوازي على الأقل دخل دولة الإمارات قائلا إن دخل الإمارات يوازي خمسة إضعاف دخل ليبيا وأن هذا الدخل دونه عوائق تمنعه من الوصول إلى المواطن خلاف دولة الإمارات.
ورأيت في مقال هذا الأمين الذي كان أمينا على مهمته انه يحمل أمناء قبله مثل شكري غانم الإثم ، وهو الرجل الذي وصل بعد هذا المنصب إلى منصب رئيس الأمناء جميعا أي رئيس الوزراء وبدل إن ينشغل برفع المعاناة عن المواطن وإنصافه وتحسين ظروفه المعيشية والبحث عن وسائل لتصحيح الخطى المزمن في هذا الاقتصاد ويبحث عن الفاقد في الدخل القومي ويسعى لإيجاده لكي يوازي دخل دولة مثل الإمارات فقد انشغل كما تقول هذه المقالات بالعكس من ذلك وهو وضع مزيد من المعاناة على ظهر المواطن وتحميله بما لا يستطيع احتماله كما جاء في الردود التي هاجمت المنطق الذي تكلم به والسياسات التي ابتدعها واتبعها وهو أمين عام اللجنة الشعبية العامة في ليبيا كما يسمونه.
ولأنني اعرف الدكتور شكري غانم وتصادف إن ربطتني بها علاقة صداقة وزمالة في مقتبل العمر فقد رأيت إن أقدم صورة قلمية عن هذا الصديق الذي اختلفت حوله الآراء وتقلب في عدد من المواقع والمناصب ووصل إلى أعلى منصب في السلطة التنفيذية ووجب إن يكون سجله مطروحا بايجابياته وسلبياته إمام الرأي العام، وأقول إنني عرفته ربما في منتصف ستينيات القرن الماضي ، وكلانا في مطلع الشباب ، وتواصلت معرفتي به بعد ذلك ، بين الحضور والغياب ، ومساحات البعد والاقتراب مكانيا وما تتيحه من لقاءات متقاربة حينا متباعدة أحيانا أخرى ، فعرفته فتى خارق الذكاء ، واسع الاطلاع ، عميقا في تفكيره وثقافته ، بارعا براعة مدهشة في تخصصه الاقتصادي ، مع حس عظيم بالدعابة، وملاحة ولطافة في ابتكار والتقاط الطرفة أو النكتة ، وقوة الذاكرة وحسن التعبير في اللغة العربية مقرونة ببلاغة وفصاحة في التعبير باللغة الانجليزية.
كما عرفته أيضا ينحاز وهو يتقلد وظائفه ويمارس تخصصه الاقتصادي ويقوم بمشاركاته الفكرية منحازا انحيازا كاملا للمواطن البسيط وقضاياه المعيشية وما يزيد عنها ويعلو فوقها من قضايا وطنية ، منافحا ومدافعا في الجلسات الخاصة والعامة ، عن حق هذا المواطن في حياة كريمة ، بالغ الصراحة في التعبير عن حقوق هذا المواطن الليبي في مواجهة سياسات كان يراها بمعارفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تلبي حاجة المواطن ولا تخدم أهدافه في تطوير حياته المعيشية حتى لو كان مبعث هذه السياسات نوايا طيبة لان الطريق إلى الجنة مفروش بالنوايا الطيبة.
ودارت الأيام دورتها ، التي تفعل بالناس فعلها ، تضيف إليهم معرفة وحكمة مع النضج والتجربة والتقدم في العمر ، وأحيانا تأخذ منهم شيئا من توهج عواطفهم وحماس شبابهم ، بقدر ما تضيف بياضا إلى شعر رؤوسهم أو ازدياد مساحة الصلع في هذه الرؤوس ، وكانت هذه الأيام كريمة مع الصديق شكري غانم ، فقد أعطته فعلا مزيدا من العلم والمعرفة والخبرة ربما أكثر من غيره ، فقد عرفته كما قلت شابا حديث التخرج من كلية الاقتصاد من الجامعة الليبية المتواجدة في بنغازي.
وعاد إلى المدينة التي ينتمي إليها وولد وترعرع بين أحضانها طرابلس واحضره إلى مجلسنا صديق ثالث هو الزميل الكاتب يوسف الشريف ، ليشاركنا في تأجير كابينة في نادي الصيد والرماية ، وهو مصيف صغير يواجه مقر الإذاعة بشارع الشط ، كان اغلب رواده من أهل الفن والثقافة ، لقضاء ثلاثة أشهر الصيف حيث كنا نلتقي كل يوم واذكر انه كان يجاورنا عدد من فناني المسرح مثل الأستاذ محمد شرف الدين والأستاذ الطاهر القبائلي والدكتور عبد الحميد المجراب ، وكنت أحظى في هذه الكابينة بزيارة صديقي الكاتب الكبير الأستاذ يوسف هامان ، وكان ، ربما بسبب تربيته ودراسته سنوات طويلة في مصر يملك حسا عاليا بالدعابة ، فكان إن وجد في شكري غانم إنسانا يشاركه هذه الموهبة العظيمة ، وعبر لي عن سعادته بان يلتقي بمثل هذا الشاب الذي يملك هذا الحس بالسليقة والفطرة وهو الذي لم يغادر بلاده في ذلك الوقت.
واعتقد إن هذا حدث إبان وجوده موظفا معنا في الإعلام تابعا لوكالة الإنباء الليبية نائبا لرئيس التحرير بها ، إلا انه لم يكمل عامين في هذا العمل ليعود إلى مجال تخصصه في وزارة الاقتصاد، وعرف في تلك الوزارة من يدرك قيمة إمكانياته ويستفيد بمواهبه فبقى بها حتى مطلع السبعينيات حيث أتاحت له السياسة التعليمية الجديدة التي تستهدف التوسع في البعثات الدراسية ، والتي جاءت بها حكومة الثورة في بداية عهدها ، فرصة إن يحقق حلمه بإكمال دراسته العليا في أمريكا.
وجاء بعد أن أنجز الماجستير والدكتوراه إلى منصب كبير في وزارة النفط التي كان وزيرها الأستاذ المرحوم عزالدين المبروك ، ليتبوأ مركز الرجل الثاني بها وهو وكيل الوزارة ، وكان عند عودته من الدراسة ، مزهوا بدرجته العلمية ، وبالرسالة التي كانت موضع تقدير وإشادة من الدوائر الأكاديمية بعنوان تسعير النفط.
كما كان متشددا في المحافظة على التقاليد الصارمة للوظيفة التي تحظ على الاستقامة وتطلب الضبط والربط ، فكان في الحق يستقطب الإعجاب ويحظى بالتنويه من كل من عرفوه من أصدقائنا ، فرحين لان النفط باعتباره عصب الحياة الاقتصادية لليبيين وجد من يدافع عنه ويصونه من عبث العابثين ، ولكننا للأسف الشديد لا نعيش في عالم خلا من العابثين والفاسدين من أصحاب المراكز العليا.
ولأننا دولة تنتمي إلى العالم الثالث بكل مشاكله المزمنة ونظام ما زالت تخالط طبيعيته الشعبية الثورية كثير من أفات التفكير العشائري، فقد بقى شكري غانم ، بصدقه وأمانته مثل القابض على النار ، إلى أن أعياه الدفاع عن حياض الاختصاصات التي يمنحها له منصبه ، كما أعياه مقاومة المتطفلين والمتدخلين على اختصاصاته واختصاصات الوزارة التي يقوم فيها بمهمات الرجل الثاني ، فكان لابد إن يحدث الصدام المحتوم بين مثالياته وبين مراكز القوة التي تفوقه عدة وعددا فلم يستطع الاستمرار في منصب الوكيل غير عام ونيف ، أرغم بعدها على ترك منصبه، ولعله ذهب للتدريس في إحدى كليات الجامعة.
ولكن لاحقته سمعته في وزارة النفط التي تتصدى لبعض أصحاب النفوذ ، بحجة أو ذريعة انه يناوئ التدخل الثوري ، فلم يجد تجاوبا من العناصر الطلابية الثورية التي كانت في ذلك الوقت الذي غادر فيه منصبه بوزارة النفط إلى الجامعة بين عامي 77 و78 في أوج حراكها الطلابي وتم نقله إلى واحد من تلك المستودعات التي ينقل إليها الأساتذة وإبعادهم من الوسط الطلابي مثل معهد الإنماء والهيئة القومية للبحث العلمي حيث يمثل العمل في مثل هذه المستودعات نوعا من البطالة المقنعة ، ولا وجود لأي إنتاج حقيقي رغم العناوين الكبيرة، لاشي غير أن يأتي الموظف للتوقيع في ساعات الحضور والانصراف.
وأقصي ما يستطيع إن يعمله أساتذة مثله انتهى بهم المصير إلى مثل هذه المعاهد هو الاعتكاف على كتابة ورقة بحثية يشغل بها وقته ولعل الدكتور شكري غانم لم يكن استثناء لغيره من الأساتذة الذين وجدوا وقتا رغم الإحباط والتبرم لكتابة مثل هذه الأوراق.
ولم يتوقف الدكتور شكري غانم أثناء ذلك عن البحث عن فرصة عمل تنجيه من هذه المستودعات وأظن انه افلح في العام الدراسي 82 -83 في الالتحاق بوظيفة أستاذ زائر بمدرسة الدراسات الشرقية بجامعة لندن ولكنه لم يحصل على تمديد أكثر من عام واحد عاد بعده إلى الهيئة القومية للبحث العلمي لكن هناك تطورا حدث في هذه الهيئة عندما ألحقت في عام 86 بأمانة التعليم التي كان أمينها الأخ احمد إبراهيم منصور وهو الزعيم الطلابي السابق وأمين اتحاد طلبة ليبيا، ذلك الاتحاد الذي يحمله الدكتور شكري غانم مشكلة فرزه خارج الأساتذة الصالحين لتعليم الطلاب في الجامعة. فرأى انه لم يعد له مكان لمواصلة العمل داخل هذه الهيئة فتركها يبحث عن فرص عمل أخرى.
ولعله ذهب إلى مالطا التي لم يستطع إن يبقى بها أكثر من عام مشتغلا على ما اعتقد بسلك التدريس وأظنه انضم في بعض هذه السنوات إلى العمل بجامعة الجبل الغربي بغريان فبقى بها حتى أرهقه الانتقال اليومي إليها من طرابلس فارتضى بوظيفة مدرس في معهد الإدارة الذي لا اعتقد انه يرقى إلى مستوى المؤسسة الجامعية.
وكان خلال ذلك الوقت وقبله يسعى للحصول على ترشيح في وظيفة دولية مع مؤسسة مثل الأوبك تؤهله للعمل بها شهادته العالية وإتقانه للغة الانجليزية ، ولكن رسائل الترشيح من الدولة لا يمكن إصدارها لمن كان محسوبا على مجموعة المتمردين والمنحرفين عن النهج الثوري الصحيح من أمثال شكري غانم حسب رؤية وتقييم العناصر الثورية.
ولاحت الفرصة لهذا الترشيح سانحة عندما وصل إلى أمانة النفط رجل من أهل العلم والثقافة ومن أبناء مدينة طرابلس الذين يعرفون شكري غانم ويعرفون مؤهلاته وأصالته وعمق انتمائه للخط الثوري الصحيح وقوة ولاءه الوطني هو الأستاذ الكاتب الأديب كامل المقهور ، ولكن الأستاذ كامل المقهور ليس فوق الأجهزة التي تملك وضع الفيتو على هذا الاسم أو ذاك فلم يجد لديه السيد شكري غانم فرصة تلبية طلبه ولم يستطع إن يقوم بترشيحه أو يسعى حتى من وراء العمل الرسمي وهو يتولى رئاسة مؤسسة مجلس الأوبك إن ينجح في تنسيب الدكتور شكري غانم لواحد من مناصب تلك المنظمة. وهو موقف أورث الأستاذ كامل المقهور حنق وغضب الدكتور شكري غانم ولا اعتقد انه صالحه أو سامحه إلى إن انتقل السيد كامل إلى الدار الآخرة.
المهم إن تردد المرحوم كامل المقهور وفشله في تامين وظيفة في منظمة الأوبك الدولية لشكري غانم لم تفت في عضده أو تمنعه من مواصلة السعي و المحاولة حيث استأنف جهوده بعد إن ترك المقهور وزارة النفط إلى إن
مايو 28th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
من ارض تقحلت في جفون البشر..
من جفون تهدلت بوهم القدر
من قدر يصنع اقداما يعتبطها خطوالسقر
من سقر يلتهب سجينا في عمق الحذر
من حذر يمكر طيفا صدق الاثر..
من اثر مفجوع الاسناد حرفه استثر ..
يصيخ سمع دواخله ..
مبتث الاوار…
بين الصقيع الى جليد انفاسه تتعثر…
في تجاعيد الانسلاخ..
.. يصيح من عري التجلي ..
تلفه مهاوي الاعالي..
لفظة السقوط..
عهد حمر الملاح ..
هي الليالي..
هي الدول على خصر القنان..
تستبيح هتك السلاح..
في قهقرى صوامتها /نكسة التخلي..
لمدارج الصعود بين/ دمدمات الضجر/
يسفل مواقع التردي…
بين تضاعيف الحفر..
يجثو الرهان بلعبة النرد
يرسم بالالوان صمت الاشباح التي جفلت ..
من سقمها انينا نهلت …
وفي قفرها احتشدت قطيعا باوراق الهجيرتتدثر..
تسائل قيظها..في تراشق اللكنات…
في يتم الاسئلة الجوفاء من لهيب الغضب..
لم انطفأت الشمس لما عانقت وجه الغيوم لحظة السفر …
لحظة الميلاد لقلم يبري من سنه الشتات..
هو الوعي بالغباء يرى في طلائع الموتى زحفا للتخوم..
من ذبال الرفاة ..
مما تبقى من الروامس التي انجرفت بسيل المنون..
ليعقم حرفا..
لمة..
لسياق من ذوا
مايو 26th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
لست ممّن يغرقون في شبر من الماء، لكني على امتداد شهر وجدتني غارقة في الارتباطات العائلية والاجتماعية، ولا أجد الوقت لإنجاز نص، أو قراءة سطر من كتاب أو جريدة أولكى أتنفس بعيدا عن الفوضى، الصخب ومزاجية الطقس المتقلب و ما يحمل من أمراض وأعراض حساسية الربيع.. كنت أختلس دقائق صباحية لأجري اتصالا يوميّا مع كاتبنا الكبير (حنا مينه ) لأطمئن عليه.
لم تكن "ساعات من العمر" حوارا أو لقاءً للنشر، فصاحب هذا التاريخ لا يحتاج قلمي للتعريف بعراقة وابداع وشهرة ، ولا أنا ممن يتسلقون على أسماء و أمجاد جيل الكتّاب الرواد ليزداد رصيدي في دنيا الأدب ..!
لذا حين كتبتها ارتأيت أنه من اللائق أدبيّا وأخلاقيا وذوقا عرضها عليه قبل النشر، واتفقنا على أن أزوره حين أودع آخر ضيف حلّ في بيتنا..
***
كان يوم أربعاء، وصلت مشارف دمشق وأنوار" قاسيون" تتلألأ من بعيد، فتحدثت إليه وأجّلتُ الموعد لليوم التالي. ضحك وأنا أقول: اليوم عيد (الحماصنة )، أسهرُ الليلة مع عائلتي و أراك غدا.
- نستقبل الصباح مع فنجان قهوة.
- لا تتأخري كي نتغدى سويا..
لم أكن أتوقع، وأنا على بعد شارعين من البيت أن مكان اللقاء سيتبدل، وأعود أدراجي لأذهب إلى مكان آخر لم يكن يخطر على بالى ولا على بال سواى ..!
انعقد لساني وتصاعد الدم إلى رأسي، وأبو إسكندر (مرافقه الوفي) يخبرني عبر الهاتف الخلوي أن (الأستاذ) نقل قبل ساعتين إلى المستشفى في حالة تعب وإعياء..
- كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وقد كان بالأمس يحدثني وهو بكامل عافيته؟
وسمعت صوته الواهن يدعوني للمجيء..
لا أخاف المستشفيات، أو أنفر من رائحة التعقيم والمطهرات، ولا أتجنب ملائكة الرحمة، فقد سخّر الله الطب والدواء للمساعدة على الشفاء، لكن حين أمشي في
الممرات وأركب المصعد، أو أصعد السلالم لزيارة "عزيز".. أحتاج إلى حبال من صبر تشد أعصابي، وعشرات الأقدام تسير بي.
***
المستشفى الفرنسي في "القصّاع"، وهي منطقة في دمشق القديمة، أغلب سكانها من الإخوة المسيحيين، وأنا أستعجل خالي في أزمة السير الصباحية، أتلو آيات من القرآن الكريم لتهدأ روحي
َ"وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ "
لا أدري لم انتابني هاجس الخوف، وأنا أقرأ "ممنوع الدخول" على باب الغرفة في قسم العناية الحثيثة؟ لم أعد أنظر إلى (حنا مينه) كروائي معروف ومشهور، أو اسم لامع في دنيا الأدب، بل إلى الإنسان الضعيف أمام المرض، والمستسلم لقضاء الله وقدره " قدّر الله وماشاء فعل" وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ..
أدخل لأطرح ألف سؤال في الدقيقة على (أبو إسكندر).
- تفضلي "الأستاذ" في انتظارك..
أخفي القلق، أرسم ابتسامة، وأطلّ براسي من الباب أنظر إليه.. نزل عن كتفي جبل الهلع، وأنا أراه يرقد على السرير دون أجهزة وأنابيب وأمصال..
- تتدلل، تريد معرفة مكانتك في القلوب؟
- تعرفين يا ابنتي أني لا أشكو، لكني وجدت نفسي اليوم أعاني من صداع شديد و غير قادر على الحركة وصعوبة في التنفس وإغماءة.
- هي قلة النوم والتفكير، استرخِ الآن، وحاول أن تنام. تلك وصفتي السحرية للتعافي.. أحضرت لك تبغا من السوق الحرة، والصور التي التقطناها.. انظر كم تبدو وسيما.
ينظر إلي مليا، ويقول: حين تكتبين قصة غوصي في أعماق الشخوص، ادرسي الحالة النفسية، رافقيها، اصقليها،، لا تتركيها تعوم على سطح الماء دون أن تترك أثرا.
وهو لا يعلم أني وضعته الآن تحت المجهر، و النصيحة بدأت به.. فقد جلست صامتة، أغوص في شخصية هذا الرجل وأشخص حالته النفسية وأحلل كل كلمة تخرج عبرة أو درسا من فمه..!!
يعود للحديث عن اللاذقية، تلك المدينة الساحلية التي سكنت روحه ورواياته، وأخذت الكثير من طفولته وشبابه، ومسيرة حياة طويلة بحلوها ومرها.. وذلك الطفل الرضيع الذي قدم إلى الدنيا بعد ثلاث بنات ضعيفا هزيلا يقاوم الموت، ومازال يجابه الأيام، ويقاوم المرض ليصل إلى السادسة والثمانين ويتحدى الزمان..
رجل متماسك، لا يهاب الموت، يؤمن أنه "لكل أجل كتاب"، لكنه يخاف الرحيل وترك إرث خلفه.. رفيقة درب مريضة، أبناء لا يود إزعاجهم وتحميلهم الهّم والحزن والمسؤولية، يخاف الرحيل وثمة أسر وعائلات مستورة يعيلها و يغدق عليها الحب والاهتمام، فمن سيرعاها في غيابه؟…
يدخل الطبيب فأهم بالخروج، يمسك بيدي ويبقيني إلى جانبه. أتسلل من الغرفة، فهناك خصوصية وخطوط حمراء، لا يمكن تخطيها أثناء الفحص الطبي.
أسأل "أبو إسكندر": أين الأهل، الأسرة، الأصدقاء؟".
- لا يريد "الأستاذ" أن يزعج أحدا أوأن يقلق عليه أحد.
- يا الله، كم هو إنساني هذا الإنسان. في ساعة المرض يحتاج المرء إلى يد حانية وكلمة رقيقة تدعمه وترفع من معنوياته، وهو يوثر أن يتوجع ويتألم في صمت، بعيدا عن قلوب الأحبة، حرصا على مشاعرهم.. صاحب التاريخ العريق والشهرة الأدبية والروايات المطبوعة في الأذهان يختار الوحدة والسكينة والانسحاب من عالم الأضواء إلى عالم الانطواء..!
تتصل بي زوجته، وبصوتها الراجف تسألني: "كيف حنا.. طمنيني عليه يا محاسن، هل هو بخير؟".
- صدقيني الأستاذ بخير، يحتاج
مايو 23rd, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
|
كانَ يحلمُ مستيقظاً جمرهُ في دمِ الكونِ
أنْ ولدتهُ الحياة مغطىًّ بدمعِ مشيمتها والدمِ الأنثويِّ المقطَّرِ من جنةِ الرحمِ عبرَ رمال الشتاء الأخير بروحي وعبر بحار الضحى المتدَّفق في جسمها يغسل الماء من جاهلِّيته بابتسامتها.. والظلام بتوبتهِ عن شذى شعرها المتناثرِ في زرقتي الظلام الذي كان يصرخ في نقطة الضوءِ مستوحشَ القلبِ في جوِّهِ شاعري / آخري علِّقيني على ما تبقى من الغيم في زمن ممطرٍ بأُحبكِ حتى البكاءِ أُحبكِ حتى البكاءْ 2 كان يبكي بلا سببٍ عند حدِّ سماءٍ خلاسيةٍ كانَ يصرخُ مستسلما لعذاباته ولألوان رمبو : شتائيةٌ هذهِ الروحُ يا من تربيّن رؤياكِ في كلٍّ قلبٍ حزينٍ كفرخِ القطا كمْ أحبكِ كمْ عندنا تملئين نوافذَ حريتّي بالحنين إلى كلِّ شيءٍ أما كان يمكنُ تأجيلُ هذا الألمْ ؟ إلى موعدٍ آخر وغدٍ شاغرٍ من تثّنيكِ في الماء والمفردة أما كان يمكن يا شهرزادُ ولو مرةً واحدةْ تبّني الطيور التي ترجئيّن بغير صباح. . . . لليل القمم؟ أما كانَ يكفي من الحبِّ حتى نحيّي الهواءَ القديمَ على رئتينا على ضفةِ النيلِ في غرب أرواحنا… النيلِ في شفتينا أما كانَ يكفي لنصعدَ هذا الخريفَ الأخيرَ ونخزنَ ما ظلَّ من برق شهوتهِ في يدينا 3 كانَ ينظرُ لي عبر بلورِ دمعٍ شفيفٍ يحُدّثني عن ضمير المدنْ كان يحلمُ بامرأةٍ لا تمشِّطُ أحزانه في الصباحاتِ إلاَّ بما يترقرق في روحها من حنينٍ إلى شفقٍ أزرقَ في فضاءِ الزمنْ هي من صيَّرتْ قلبه سادناً للجمالِ الذي ظلَّ يبكي بدمعِ سيوفِ العربْ هي من صيَّرتْ روحه قبلةً لأهلة نيسان باحثةً عن رياح المصب آه , أنثى ملاكٍ تنام على نوم سجني هنا في تراب السماءِ يصلِّي لها الماءُ.. يرفعُ من ساعدي حفنةً من شذى نبويٍّ غدي حنفة من ضياءِ المقيمين في ليلِ أعضائها وغدي حفنةٌ من عذابٍ سيبذرها في دمي حبُّها. . . . 4 كنتُ أحببتها عندما أمطرتنا أنا وأبا الطيِّب المتنبي مصائبنا كنت أعرفها جيِّداً حين تبكي بلا سببٍ مثل عصفورةٍ في حديد الجسور معلقة مثلَ حلمٍ صغيرْ كنت أعرفها كلُّ أنتروبولوجيا الطبيعيةِ فيها وسرُّ الصفاتْ صارت اللغةَ.. الطاقةَ المستحيلةَ للحظة المشتهاة 5 لا يماثلها أحدٌ حيث تنظرُ في قاعِ روحي وأشعار رمبو التي لم يقُلها ولكنَّها – حين تنظرُ – مأخوذةً بالشواظ الإلهيِّ مغسولةً بالبرَدْ في ظهيرة آبٍ يماثلها آخري ويضيءُ لها قمرُ الدمع فوقَ رصيفِ الأبدْ 6 ربّما ربّما في اليوتوبيا غداً أتقمصها حينما يتبلورُ في ذاتها صبحها الأزرق الزنبقي وأنا لا نبيٌ لأشرح معنى مزاميرها حين تعبر في الروح برقاً. . . . يجرِّدني من أنوثةِ آبٍ.. أنا لا نبيٌ لأصنع من حزنها ظبيتين / وعصفورتين 7 ربَّما ربَّما في أوتوبيا بلا كلمات ألتقيها اذا فرَّقتنا الحياة فيغمرني ضوءُ نجمتها ربمَّا ربمَّا ألتقيها أنا في أوتوبيا المماتْ نرتدي شفقاً ازرقَ ونطيرُ بأجنحةٍ من دموعِ الحريرِ لأنثى الملاكْ 8 في اليوتوبيا أكَذِّبُ ماءَ الحنينِ العموميِّ في رغبةٍ تتأصَّلُ أو صفةٍ تتأرجحُ ما بيننا وأصدِّقُ ما فيكِ من عسلٍ جارح ٍأن عينيك لوزيتانْ وعيناي في غمرةٍ منهما فيهما تسبحانْ 9 في اليوتوبيا أنا بالمجاز أقيسُ جمالك… أو بالصباح الخريفيِّ يشعلنا بالغموضِ الضبابيِّ والعاطفةْ لقراءة عينيك في صيف أرواحنا. . . . أن نعرِّي حنينَ الظلامِ. . . . ونمشي على حدِّ قبلتك النازفةْ 10 ستوافيكِ أمطارُ روحيَ أنَّى ذهبتِ فحزنك بوصلةُ القلبِ في الريحِ يلمع مثل دموع غصون الغمام العتيقِ التي تتقطَّرُ من عالمٍ ما. . . . توافيك ذكرى ورائحة الوطن المتسلِّل وقت الظهيرة فينا يوسِّعُ دربَ المساءِ إلى قبلةٍ ضيقة 11 مريضٌ بأسطورةِ الذئب أو بكِ.. . . . قلبي يعلِّق أنفاسه فوق حبلِ الحياة مريضٌ كألبير كامو بالمحبةِ واللعناتْ مريضٌ بما تتركُ الذكرياتْ على القلب من وجعِ الصبحِ أو تترك الكلماتْ على فمنا من رحيقٍ توزّعه الشمس في دمِ كلِّ نهارٍ بشرياننا ناوليني مسدس أحزاننا / ناوليني مسدس أحزاننا 12 في اليوتوبيا نطير بأجنحة الروح متحدّين كزوجيْ يمامٍ بعيدينَ عن حافةِ الأرضِ. . . عن جسدِ الهاوية في اليوتوبيا نسبِّح لله باسمِ الحياة نُدبِّج مدحاً رقيقاً له /كم نحبك كمْ يا الذي أنت فينا وأقرب منَّا إلينا إلهاً نصدِّقه ونكذِّب أنفسنا ونصادقُ رغبته . . . . ما تخليت عنَّا غداة اشترانا يهوذا الرجيم وساق قوافلنا في سدوم الجميلةِ . . . . لا نريد سدوم الجميلة بل فسحةً في ربى جنتكْ / 13 في اليوتوبيا نذيبُ الحجابَ الذي بيننا والإلهْ بدمعٍ ضعيفٍ ونمشي على حافةِ الصلواتِ . . . . إلى الأبدية . . . . لا ننحرفْ 14 قال لي مرةً شاعرٌ : القصيدة أنثى تراودني في العشيَّات عن نفسها ولكنني ساقولُ : القصيدة غيبِّية الروحِ حسِّيةٌ في تشكُّلنا.. أحرقتْ نفسها قبلةً قبلة ًفي مهبِّ الصدى القصيدة خلق المجرَّدِ في ذاتنا. . . . سرُّ معنى نبيلٍ لعشقِ الحياةِ سُدى والقصيدة عشبٌ جريحٌ على هامةِ الأبدية ينـزف أحزاننا والندى قال لي آخري 15 أتلاطم |
مايو 18th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
* بزغَ وجهُكِ في قلبي .. !؟ كأنَّ شمسًا أشرقت في أعماقي ، شكرًا لهذا الجمالِ الفارِهِ الجبَّارِ ، الذي يمنحني الشعورَ بروعَةِ الحياةِ ، وسحرِ الحبِّ .
* حينَ تضحكينَ يستفسرُ الفجرُ عن ذهبِ البلاغةِ … ويستبينُ الصَّفاءُ شلالَ الفضَّةِ المنسكبِ ..!
حينَ تضحكينَ تقسمُ الشَّمْسُ أنَّها ترهنُ وجههَا لشروقٍ بهيٍّ من ثغرِكِ ، وَتَرْهُنُ روحَهَا لِسِبَاحَةٍ طليَّةٍ في عينيكِ ..!
وَيَتَسَاءَلُ الضُّحَى عمَّن نسخَ دفئَهُ وضوءَهُ..!؟ من سجنَ وجهَهُ هناكَ..؟
حينَ تضحكينَ تذهلُ الحياةُ عن ضحكةِ الصباحِ ، وابتسامةِ الضحى ..
حينَ تضحكينَ ترتجفُ الموسيقا .. ترتبكُ المقاماتُ وتختلطُ نوتاتُ العالمِ .. يُدَوْزِنُ الغنَاءُ الرَّهِيْفُ صَوْتَهَ على صَدَى الضِّحْكَةِ السَّاحِرَةِ .. على بحورِ الغنَاءِ غيرِ المكتشفةِ ..!
* أنتَ هنا .. ألفُ ربيعٍ سَيُعْلنُ عرسَهُ .. وألفُ قمرٍ سَيُسَافِرُ إلى قلبي .. وقلبِكَ .. أنتَ هنا ستفرُّ الأحلامُ إليَّ .. سيحتشدُ كونُ أمنياتٍ على قلبي..
مايو 7th, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , ضِفاف تروقني, مدى لهم,
رؤية : مصطفى الساحلي
الايدولوجيا هي علم الأفكار وهى محاولة إعطاء طابع علمي لهذه الأفكار من قبل أصحابها وهى أيضا نسق من الأفكار والمعتقدات والمفاهيم معيارية وواقعية يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منظور يبسط ويوجه الاختيارات السياسية والاجتماعية للإفراد والجماعات ويتم توظيف هدا النسق لتأكيد هذه الظواهر أو تغييرها وفق نظرته إليها … وعندما تحمل الايدولوجيا المثمتلة في المنظومة المفاهيمية بين طياتها محاصرة الإنسان بالحياة وتناقص حريته بالاختيار ينشأ من وراء ذلك حقل نزاع ايديولوجى وهو يمثل الوسط المادي الحقيقي للايدولوجيا وهذا الوسط إنما هو الأدب بجميع صنوفه وأنواعه . عند دخول الميكروبات في جسم الإنسان لا يقف هذا الجسم موقف المتفرج عليها بل يتصدى لها بآليات دفاعه الطبيعية لمحاربتها بغية القضاء عليها ما يمنح الجسم القدرة البيولوجية و بالتالى استمرار الحياة فى شكلها الظاهرى.. وهذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث عند وجود كم ايديولوجى متناقض فى مفاهيمه وافكاره ومعتقداته حيت يعمل هذا الكم على تحفيز آليات دفاع المجتمع وهى شريحته المستنيرة والواعية والتى يمثلها الأدب بأنواعه وبذلك ينشأ حقل نزاع ايديولوجى لتضييق هوة التناقض لمفاهيم الكم فى محاولة لاعطاءه طابع علمي وتفسيره وهكذا يتم توظيف هذا الكم المفاهيمى إما لتأكيده او استبداله بأخر اقرب إلى الحقيقة مايمنح النسيج الاجتماعى القدرة النفسية وهى الجانب الخفي أو الروحي للحياة الإنسانية بما تمثله من أحاسيس ومشاعر وعواطف وخيالات.. وارتباط هذين الجانبين وثيق ولا يمكن فصله وعملية الفصل هنا تؤدى إلى إعطاب وخلل في الحياة الإنسانية ذاتها وبالتالي التوقف عن السير نحو الحقيقة الأمر الذي ينتج عنه التخلف والجمود والتوقف عن السير في الطريق نحو الحقيقة أو الموضوعية التي ماانفك الإنسان منذ الأزل وحتى الأبد وهو سائل وباحث عنها وما يعتبر في لحظة ما من التاريخ حقيقة مطلقة يتحول مع مرور الزمن واتساع المعرفة إلى حقيقة نسبية .. وكما أن الجسم واضطراباته يمكن قياسها بأدوات ووسائل علمية معدة لهذه الإغراض على المستوى البيولوجي… كذلك هنالك أدوات للقياس على المستوى النفساني لأي مجتمع من المجتمعات ومن أنجع هذه الأدوات هو الخطاب الأدبي وهو إما أن يكون مقاوما لهذه الايدولوجيا أو ميالا لها.. وبقدر ما يكون مقاوما أو ميالا بقدر ما يكون جميلا أو قبيحا.. لأن الفن لا يحيا إلا بمعارضته لكل ماهو مألوف وسائد ومن ذلك يتضح جليا انه كلما زاد استهجان الفن أو الأدب ورفضه ومعارضته للسائد كلما كان ذلك دليلا قويا على وجود خلل أو عطب في الكم الايديولوجى وما يحمله في جعبته من أفكار ومفاهيم وانعدام قدرته على تحقيق كيف واحد ويعود ذلك إلى تناقض هذا الكم في حد ذاته .. وابتعاده بالتالي عن الحقيقة والموضوعية ..ولمناقشة مدى ملائمة وتوافق هدا الكم الإيديولوجي أو المنظومة المفاهيمية في المجتمع ليس هناك من بد إلا العودة لهذا الخطاب الأدبي وتسليط مجهر العقل عليه ما يجعلنا بالتالي قادرين على استصدار الأحكام على هذا الكم مما يساعد على خلق الإنسان السوي نفسانيا والذي بدونه لا قيمة لسويته البيولوجية
إن الخطاب الأدبي بكافة أنواعه إن هو إلا نتاج اجتماعي إيديولوجي فتكون بذلك النصوص الأدبية والتي تشكل المتخيل الاجتماعي مثقلة بترسبات أوهام وهزائم و احباطات ورجات الصدام بين الطموح واليأس ومن خلال الخوض في هذا المتخيل يكون بالإمكان الكشف عن الزيف أو الصدق في المنظومة المفاهيمية الفكرية المهيمنة على المجتمع وبالتالى إصدار الحكم إما سلبا أو إيجابا في شأنها الأمر ألدى يجعلنا قادرين على إدراك الضوء في نهاية النفق المظلم وتجاوز الصعاب والعوائق.. والسلب هنا يعنى القبح وعدم الملائمة والحد الأعلى من التناقض.. اى الابتعاد عن الحقيقة.. والإيجاب يعنى الجمال والتوافق والملائمة والحد الأدنى من التناقض.. أي الاقتراب من الحقيقة… وبمعنى أخر أكثر دقة ووضوحا.. السلب هو الكم الإيديولوجي الأكثر خطأ وفداحة والأكثر ابتعادا عن الحقيقة بينما الإيجاب هو الكم الأقل خطأ والأقل ضررا والأكثر قربا من الموضوعية أي الحقيقة… وهناك العديد من المقاييس والمؤشرات في الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية والتي من خلالها نستطيع التعرف على مدى ملائمة هذا الكم وتناغمه وتوافقه مع المجتمع الحاضن له ومن أهمها الإيهام في الشعر والغموض الشديد وهو غالبا ما يكون لدرء خطر وقمع وإرهاب الكم الإيديولوجي السائد وكثرة الإلغاز والطلاسم في العديد من الروايات الليبية المعاصرة والتعرض لعوالم الخوافى مثل الجن والسحر وهى مؤشر لانتشار واستفحال الطغيان وهذه المؤشرات جميعها هى دليل على انتفاء التناغم والانسجام مع القيم والمفاهيم التي يحملها الكم الإيديولوجي المفروض عنوة على المجتمع … إلا أن ما هو مدار بحث وتدقيق في هذه القراءة هو الشعر الليبي المعاصر والذي نحاول فيه كشف النقاب عن مدى رفضه واستهجانه للواقع الإيديولوجي السائد أو قبوله به وذلك من خلال العديد من النصوص الشعرية في ديوان ..هكذا انأ.. للشاعرة تهاني دربي واهم ما يميز هذا الديوان الذي قد يتقاطع في الواجهة مع التجارب الشعرية الليبية المعاصرة وغيرها من الأعمال الأدبية إلا انه يلتحم بها … في عدم تناغمه وانسجامه مع المنظومة المفاهيمية القيمية المتمثلة بهذا الكم الإيديولوجي لانعدام قدرته على تحقيق الكيف الواحد والذي تمثله الوحدة البيولوجية النفسية الاجتماعية لمجتمعنا الليبي
إن أهم مميزات المجموعة الشعرية في هذا الديوان الفكري هي الموائمة بين ما هو نظري عام يعيد جميع الظواهر للقانون والجدل والحتمية التاريخية وما هو ذاتي أو خصوصي وهذا ما يعطى لأفكاره ذاك البريق واللمعان والتوهج فيمنع عنها الصدأ الذي يلحق عادة بالأفكار.. انه تلك الذاتية أو الخصوصية التي تتجسد أمام القارئ لنصوص هذا الديوان من خلال كلمات بسيطة بعيدة عن التعقيد فتضفى على الأفكار أجنحة إضافية للتحليق في الأعالي… وتتجلى هذه الخصوصية في قصيدة.. هذيان.. حيث تقول الشاعرة
هل تعرف كيف تحب/ كن صادقا وخذ وقتك للتفكير/ وعندما تجيب تلعثم قليلا/ حتى أتأكد انك فهمت سؤالي/ وأخذته على محمل الجد…… هذا المقطع الشعري في حد ذاته يحرض على التناسل وهو طريق لتفتح الحقيقة عبر إحالات الرمز/ اللغة إلى طبقة أعمق فأعمق وجعلها تتفتح بتأثير الأسئلة والأجوبة الثرية والمتنوعة حيث يبدأ المقطع بتساؤل مسبق عن موضوع الحب تستتبعه دعوة للتفكير والفهم اللتان تؤديان إلى الابتعاد عن السطحية والاتجاه نحو العمق مما يجعلنا نوقن أن الذات الشاعرة لها دراية بهذا الموضوع وانه قد وقع في خبرتها من قبل وإنها أيضا تساءلت عنه بحيث أصبح مفهوما لديها باعتباره واقعا ضمن نطاق همومها واهتماماتها والتساؤل أيضا يعنى أنها قد عايشته من قبل.. وما الدعوة للتفكير والفهم إلا دليل على هذه الدراية والمعرفة به..فالتفكير يستدعى وجود مشكلة ما تشعر بها الشاعرة وتجاوزها يتطلب التأمل العميق والتدقيق لاستنباط الحل وليس بالإمكان استنباطه دون فهم و إحاطة بهذه المشكلة من كل جوانبها .. ومن خلال هذا المقطع الشعري نستطيع أن نتصور مفهوم الحب من منظور الشاعرة فهو الحب المبنى على الفهم في أحسن صوره
مايو 2nd, 2009 كتبها تهاني دربي نشر في , مدى لهم,
عن موقع : اجدابيا نت
لا ادري منذ متى بالضبط بدأت علاقتي بالفنان القديرالاستاذ حسن عريبي ولكنني بالتأكيد عرفت فنه قبل ان اتعرف عليه شخصيا فقد سافر الى بنغازي وتراس في مطلع الستينيات قسم الموسيقى بفرع الاذاعة في تلك المدينة التي كانت عندما سافر اليها احدى الولايات التي تتكون منها المملكة الليبية المتحدة ،
وهناك اطلق عددا من المواهب في الغناء كان من بينها احد نوابغ الغناء الليبي الفنان الراحل محمد صدقي الذي صنع له لحنا خالدا مازال حتى اليوم يثير شجن من يستمع اليه واكاد شخصيا لا اسمع هذا اللحن الا خنقتني العبرات حسرة على غياب الفنان محمد صدقي وتاسفت لانه لم يكن يحظى بما يستحقه من مجد وشهرة وهو لحن اغنية كيف نوصفك للناس وانت عالي وهي اول اغنية يغنيها وينطلق بها كالصاررخ في سماء الفن ، وقدم له في تلك الفترة مجموع اغنياته التي حققت له الشهرة وبلغ مجموع هذه الاغنيات التي لحنها له كما يقول الموسيقار الراحل 48 اغنية ، وهكذا مع مطربين ليبيين اخرين من امثل محمد رشيد وخالد سعيد واحمد سامي ومحمد مختار ومحمد الجزيري ووصلت الحانه لمشاهير المطربين العرب من امثال المطربة التونسية نعمة والمطربة المصرية ذات الاصل اللبناني سعاد محمد والمطربة نازك وغيرهن من مطربين ومطربات ، وبعد ان تم اتحاد الولايات وصارت هناك اذاعة مركزية راى ان ينتقل بجهده لتأسيس فرقة موسيقية شرقية تكون دعما لفرقة الاذاعة الرسمية خاصة وانه بدا يركز جهوده في تاسيس مكتبة اذاعية لفن المالوف والموشحات الاندلسية ويتصل بالشيوخ الكبار في الزويا والاربطة والمساجد في المدن والارياف حتى استطاع ان يسجل ذخيرة كبيرة يبدا بها تنفيذ مشروعه ، ولهذا تأخر وصوله الى منصب رئيس قسم الموسيقى في الاذاعة الى النصف الثاني من عقد الستينيات حيث احتل رئيس قسم الموسيقى بالاذاعة بعد ان ذهب الرئيس السابق الفنان الراحل كاظم نديم رئيسا لقسم التمثيل ، وهكذا صرف جهوده لتعزيز فرقة الاذاعة الرسمية مع تاسيس فرقة للمالوف والموشحات ايمانا منه كما يقول بالحرف الواحد " ايماني الشخصي بهذا الفن ـ اي فن الموسيقى الشرقة ـ لانني ارفض التغرب ، واحب ان اكون عربيا ليبيا انطق بالحرف العربي واتغني بالنغم العربي،نعم لا اريد ان اتغرب وهو ما يجعلني احافظ على الموسيقى العربية وادعو كذلك الاجيال القادمة للحفاظ على الموسيقى العربية ".
لقد راي بحسه العربي الفيضان الفني القادم من الغرب وراى ان يصنع للفن العربي محمية لا يصلها هذا الفيضان تكون عنوانا لهذا الفن ورمزا له وتاصيلا وتجديدا لما تراكم عبر الزمان من الحان ، عمل جاهدا كي لا تضيع فقام فعلا برصد ما عرفه التراث الليبي من مالوف لشيوخ المالوف الليبي وموشحات مما حفظوه من التراث الاندلسي وكان له فضل تسجيله وحفظه في وسائل الحفظ الحديثه وهي اجهزة التسجيل المرئي والمسموع واخيرا الاقراص الممغنطة وقد قام بتسجيل البومات كثيرة لا تزال موجودة تغني المكتبة الليبية ومكتبة الموسيقى الشرقية واضاف الى هذا التراث ما قام بتلحينه من تاليف موسيقية مقتبسة من نفس المعين مثل قصيدة المنفرجة التي اخرجها من التراث وقدمها للمستمعين والمشاهدين العرب فنالت الشعبية الواسعة في شرق الوطن العربي ومغربه ونالت تشجيع زعماء مثل القائد القذافي وملوك مثل الملك الحسن الثاني وغيرهما تبنوا هذا العمل وسعوا لاعانته على نشره وتسجيله وتوزيعه وتقديمه في المحافل العربية ، ولم يكن هذا الجهد في التوثيق والتاليف الموسيقى ينفصل عن جهده في التاصيل النظرى لفنون الموسيقى العربية فهو فنان مثقف صاحب ثقافة تخصصية من اعلى طراز في هذا المجال فكان مهما ان يردف بهذه الثقافة جهده التاسيسي في صنع مكتبة للموسيقى الاندلسية بحيث ظل يواصل حملات التوعية والترشيد والتنوير في بحوثه ومحاضراته ودروسه لتلاميذه ومريديه ولم يكن غريبا بعد ذلك ان يعقد له لواء الريادة والرئاسة في مجلس الموسيقى العربية ليحوز على رئاسته لعدة دورات استلمها من زميله واستاذه في المعهد الرشيدي التونسيى الذي امضى فيه عدة سنوات الدكتور صالح المهدي ، كما لم يكن غريبا ان يعهد اليه في مؤتمر الموسيقى الشرقية الذي عقد في سمرقند برئاسة ذلك المؤتمر الذي حضره 480 وفدا اجمعوا كلهم على اختياره رئيسا للموتمر الثاني المنعقد هناك عام 1981 وكان لافكاره في ذلك المؤتمر تاثيرا كبيرا في وضع اسس للحفاظ على الشخصية المستقلة للموسيقى الشرقية واحترام كيانها في بلدان تتزاحم فيها الثقافات وتكاد تسلم قيادها للموسيقى الغربية ، لا كراهية لتلك الموسيقى كما يقول الاستاذ حسن عريبي ولا تعصبا لصالح الموسيقى الشرقية ضدها ولكن حفاظا على التنوع والخصوبة في منابع الفنون والاداب فلا تطغى شخصية واحدة ولا يطغى طابع واحد يؤدي بنا الى التنميط والنمذجة وضياع الهويات والثقافات فالتعدد الثقافي والفني والادبي ثراء وخير والتنميط افقار وامحال واغلاق لمصادر وموارد تغني الوجدان وتثري الروح وتفيد الحضارة الانسانية. 
ولابد ان تعرفي بالاستاذ حسن عريبي حدث بعد انتقاله من بنغازي الى طرابلس في النصف الثاني للستينيات حيث كنت انشط في الصحافة الثقافية واتردد كثيرا على الاذاعة مشاركا في برامجها ولابد انني في ذلك الوقت اجريت اكثر من لقاء صحفي مع الاستاذ حسن عريبي باعتباره رئيسا لقسم الموسيقى ينشط في تقديم الاحتفالات وتسجيل الاغاني وتقديم المطربين الجدد واستضافة الخبراء من مصر حيث عرفت فرقة الاذاعة في الستينات مشاركة اساطين الموسيقى المصرية للعزف والتدريب من امثال احمد الحفناوي ومحمد عبده صالح وعطية شراره وعبد الفتاح منسي وسمير القاوي وغيرهم وغيرهم وكثرت الاتصالات بيني وبينه عندما اصبحت مديرا للمعهد الوطني للموسيقى والتمثيل لان كثيرا من العاملين في المعهد اساتذة وطلبة يعملون معه في فرقة الاذاعة اعمالا اضافية فكان لابد من التنسيق والترتيب ، وقد رافقته في رحلات كثيرة الى الخارج او التقيت به هناك في المغرب مثلا وفي مصر التي يزورها كثيرا بسبب مشاركاته في المؤتمرات السنوية لمجلس الموسيقى العربية ومناسبات فنية اخرى فكان اللقاء يتجدد ويتجدد معه حديث الفن والذكريات اما في طرابلس فقد كنت احرص دائما عندما اكون في طرابلس على زيارته في مكتبه بعد ان صار مديرا لقسم التوثيق والتراث حيث انصرف لاتقان عمل الفرقة التي يقودها والاسهام في احياء المهرجانات الغنائية والموسيقية ومهرجانات المالوف والمشاركة الدائمة في مهرجان لفن المالوف والموشحات مثل مهرجان تستور في تونس حيث تحظى مشاركاته باهتمام الاعلام ويحضرها محبو الفن في تونس من جميع انحاء الجمهورية بشهادة الصحافة في تلك البلاد ولم تقتصر مشاركاته على مؤتمر الموسيقى العربية ومهرجانات الموشحات وانما المهرجانات العربية للاغنية حيث شارك بفرقة الاذاعة ذات مرة في مهرجان المغرب العربي للاغنية في المملكة المغربية وفازت المشاركة الليبية بالترتيب الاول وتلتها المغرب ثم تونس ثم الجزائر حسب تقويم الجمهور الذي يحتكم اليه المهرجان . وقد انتقل بالفن الليبي الى مختلف بلاد العالم ويقول انه في مهرجان الموشحات في مهرجان تستور وصلت مشاراكاته الى 35 مشاركة علاوة على مشاركاته التي غطت الوطن العربي بكل اقطاره وبلاد شرقية واسلامية وافريقية اخرى ، وكانت فرقته دائما وجها مشرقا تسعى قيادات السلطة الشعبية والمنظمون للمؤتمرات الدولية على تقديمها للضيوف الذين ينبهرون بانشادها وعزفها وقد رايت بنفسي في مؤتمر وزاري عربي كيف كان اولئك الوزراء يتركون مقاعدهم ويتحلقون فوق الارض بالقرب من الاستاذ الراحل حسن عريبي وهو يقود فرقته ويشارك في العزف والغناء معها مقدما اجمل الالحان الاندلسية .
وبمثل ما عرفت الاستاذ حسن عريبي فقد عرفت على المستوي الشخصى بعض من ساهم في تكوينه من فناني الجيل السابق لجيله واسهموا في تعليمه وبينهم الفنان القدير الاستاذ العارف الجمل الذي كان عند ادارتي للمعهد مدرسا لعزف الة الكمان في المعهد واستاذه الملحن واستاذ الة العود الفنان عثمان نجيم واستاذ مادة المالوف الاستاذ الشيخ محمد قنيص الذي عرفته في الخمسينيات مشرفا مدرسيا في المدرسة المتوسطة التي درست بها وهي معهد هايتي التجاري ، وكلهم يعترفون بنبوغ تلميذهم حسن عريبي منذ صباه ويبادلهم










